مــــــا عدت طبيبة تحولت إلى مجرد طباخة وخادمة أطبخ وأكنس وأمسح!..
صوتها الهادر خفت قليلاً، وقد انصرفت تتابع صنع حلويات فاقت بها الكتب التي تستنير بها..
في مطبخها كنا جالستين .. رمقت طولها الفارع الذي تزيده بارتفاع كعب لا تتخلى عنه حتى، وهي في البيت تلبية لرغبة زوج يريدها أن توازيه طولا ً في وقت هي مقتنعة في أعماقها بأن بضعة سنتيمترات تخدع العين فتظهر الجسد أكثر رشاقة!.
وجهها الرقيق الذي أضفى شعرها المُشقّرّ عليه بهوتاً محباًغمرني بشريط من صور تلاحقت..غرفة بسيطة تظلّ نافذتها شجرة خوخ أصفر عندما تتنهد تمتد بأغصانها لتظللّ سريري المنكفئ تحتها..
أخواتٌ ثلاث كنّا ضمتهن غرفة ٌبسيطة ٌ.. لم يكن في ذاكرة إحدانا زمن يتربص بأحلامنا وبسماتنا.. فوق سريرها كانت تقبع دائماً كالقطة الناعمة تجمع أجزاءها في حذر..أصابعها في أذنيها ،أو في خصلة شعرتلّفها بعصبية لتحيلها نتفاً بينما عيناها تلتهمان كتاباً مدرسياً ، وأذناها مرهفتان لأيّ صوت ، أو حركة ..
كان يحلو لي تأملها ؛ فأسترق إليها النظر،وعيناي أخفيهما في كتاب تستهويني قراءته،وأنا أحاذرأن أصدر صوتاً،أو مجرد حفيف ٍ يزعجها لثقتي ببركان ٍ من الممكن أن ينسكب في ثوان ..
عدت أرقبها تنقّلُ خطواتها في المطبخ بأناقة،وهدوء..تكوينها الرقيق يخفي إناء من بلورإنْ نفختَ عليه يتحطم..والأشياء في مطبخها منتقاةٌ،ومنظّمة برقة، ورهافة ذوق متناهيتين ..
عاد ذاك الزبد يتناثر من فمها أمامي ، وألم مكبوت يتفلّت :
” كيف تخليت عن أحلامي ؟ كيف قبلت لشهادتي الطبية أن تدفن بين جدران بيت وأوان ٍ مطبخية ؟؟
أسررتُ في نفسي: إن حاولت تهدئتها سينقلب الوضع إلى الأسوأ !!
تركتها تموج علّها تخرج شيئاً مما في نفسها فترتاح..
- أنت لست كما تدّعين ؛ فأنت ستبقين طبيبة ، وقد أضفت إلى ذلك أمومة رائعة لولدين مميزين بكلّ شيء !..

























